أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
40
مقامات بديع الزمان الهمذاني
وقائدا جنيبة ، عنّ لي راكب على أورق جعد اللّغام ، فحاذاني حتّى إذا صكّ الشّبح بالشّبح « 1 » رفع صوته بالسّلام عليك ، فقلت : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته ، من الرّاكب الجهير الكلام المحيّي بتحيّة الإسلام ؟ فقال : أنا غيلان بن عقبة « 2 » ، فقلت : مرحبا بالكريم حسبه ، الشّهير نسبه ، السّائر منطقه ، فقال : رحب واديك ، وعزّ ناديك ، فمن أنت ؟ قلت : عصمة بن بدر الفزاريّ ، قال : حيّاك اللّه نعم الصّديق ، والصّاحب والرّفيق ، وسرنا فلمّا هجّرنا قال : ألا نغوّر يا عصمة فقد صهرتنا الشّمس ؟ فقلت : أنت وذاك ، فملنا إلى شجرات ألاء كأنهنّ عذارى متبرّجات ، قد نشرن غدائرهنّ ، لأثلاث تناوحهنّ ، فحططنا رحالنا ، ونلنا من الطّعام ، وكان ذو الرّمّة زهيد الأكل ، وصلّينا بعد ، وآل كلّ واحد منّا إلى ظلّ أثلة يريد القائلة ، واضطجع ذو الرّمّة ، وأردت أن أصنع مثل صنيعه ، فولّيت ظهري الأرض ، وعيناي لا يملكهما غمض ، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء قد ضحيت وغبيطها ملقى « 3 » ، وإذا رجل قائم يكلأها كأنّه عسيف أو أسيف « 4 » فلهيت عنهما ، وما أنا والسّؤال عمّا لا يعنيني ؟ ونام ذو الرّمّة غرارا ، ثمّ انتبه ، وكان ذلك في أيّام مهاجاته لذلك المرّيّ ، فرفع عقيرته وأنشد يقول :
--> ( 1 ) النجيبة : الناقة الكريمة ، والجنيبة : الناقة المرافقة لناقتك . الأورق : الجميل الذي فيه سواد وبياض . جعد اللغام : كثير الزبد . ( 2 ) غيلان بن عقبة : هو ذو الرمة ، شاعر أموي معاصر للفرزدق وجرير والأخطل . لكنه لم يبلغ شأوهم . ( 3 ) ناقة كوماء : مرتفعة السنام . ضحيت : أصابتها شمس الضحى . الغبيط : الرحل . ( 4 ) يكلأها : يرعاها . عسيف أو أسيف : أجير أو عبد .